فنون

صنـاعــة السينــما

بقلم قيصــر الأدب د. طــارق رضــوان
الوسوم: سينما الأبيض والأسود/ الألوان/دور السنيد/ أفيشات/أنور وجدى/فيروز/لبلبه/ المخرج عاطف الطيب، و رأفت الميهي، وخيري بشارة ومحمد خان/محمد عبد الوهاب/ نعيمة عاكف وشكرى سرحان، وفؤاد شفيق/«ماتريكس، هاري بوتر، لورد أوف ذي رينجز»/محمد رمضان
جاءت بداية السينما في مصر بالتزامن مع الظهور العالمي لها عام 1859، وبعد هذا التاريخ، قدم أول عرض سينمائي بمصر في مقهى (زواني) بمدينة الإسكندرية يناير 1896، وتبعه أول عرض سينمائي بمدينة القاهرة 28 يناير 1896في سينما (سانتي)، والعرض السينمائي الثالث كان بمدينة بورسعيد عام 1898.
وشهدت السينما المصرية أزهى أيامها في السنوات الواقعة بين ثلاثينيات وستينيات القرن الماضي وهي الأيام التي حملت لقب “العصر الذهبي” للسينما والتي عاصرت إنتاج المئات من الأفلام باللونين الأبيض والأسود سواء كوميدية أو رومانسية أو درامية.و مازالت تعيش فى أذهان المشاهدين لأنها تميزت بالصدق و لكونها الفن الذي يرصد أحداث المجتمع ويقدمها بعين واقعية فاقترب من الجمهور وأصبح جزءا لا يتجزأ من حياته. و تعرف مصر بأنها هوليوود الشرق.
انتعش الفن والسينما والغناء في مصر خاصةً بدايةً من فترة الأربعينيات، ولكن سطعت نجوم مصر خاصةً في فترة الخمسينيات، حين أنتجت المئات من الأفلام الأبيض والأسود المميزة،وشهد الفيلم المصري نشاطا ورواجا متزايدَين منذ سنوات ما بعد الحرب العالمية الثانية ، فقد شهد النصف الثاني من الخمسينات بداية اهتمام الدولة بصناعة السينما، وقد تمثل ذلك في إنشاء مصلحة الفنون عام 1955 التي اقتصر إنتاجها على الأفلام القصيرة، ثم في إنشاء مؤسسة دعم السينما عام 1957 التي أسهمت في تمويل بعض الأفلام وإنشاء المعهد العالي للسينما عام 1959، وكان جميع أوجه النشاط السينمائي في أيدي شركات القطاع الخاص.
وبعد الحرب تضاعف إنتاج السينما، ووصل من 16 فيلما إلى 67 فيلما من عام 1944 الى 1946 وبعدها بسنوات وصل عدد دور العرض في مصر إلى 414 وعدد الاستوديوهات إلى خمس وهم “مصر، الأهرام، النحاس، جلال، ناصيبيان” ولمع في هذه المرحلة عدد من المخرجين أمثال “صلاح أبوسيف وعز الدين ذو الفقار وبركات وايضًا العديد من النجوم أمثال فريد شوقي محمود المليجي صلاح ذو الفقار وفاتن حمامه وغيرهم.
فى الماضى استطاع أنور وجدي بذكائه الفني والإنساني أن يدرك أن جمهور السينما في زمنه كان يقبل أكثر على الأفلام ذات الطابع الغنائي فقدم في معظم أفلامه الغناء والاستعراض ونجح في ذلك إلى حد بعيد، وأهتم كثيرا بالرقص والغناء وكانت اللوحات الاستعراضية من أشهر ما عرف به. ثم انتقلت السينما المصرية نقلة نوعية بالنسبة للأطفال بعدما اكتشف الفنان اللبناني إلياس مؤدب فيروز وقدمها إلى المنتج الفنان أنور وجدي، لنرى الطفل بطلاً للمرة الأولى من خلال أفلام ياسمين وفيروز هانم ودهب، وكلها أفلام تم انتاجها ليكون الطفل هو المحرك الرئيسى للأحداث،و لبلبة هى الفنانة المصرية الأرمينية نينوشكا مانوج، حيث تميزت لبلبة بخفة الدم والتقليد، كانت تعمل فى بدايتها الفنية مونولوجيست، وقامت بتقليد العديد من الفنانين مثل عبد الحليم حافظ، فريد الأطرش، فيروز، وحققت نجاحًا كبيرًا لذلك لفتت انتباه العديد من أهل الفن ومن أهم أعمالها ( أربع بنات وضابط، البنات، البيت السعيد).
وخلال الثمانينيات ظهرت مجموعة جديدة من المخرجين الشباب الذين استطاعوا أن يتغلبوا على التقاليد الإنتاجية السائدة، وأن يصنعوا سينما جادة وأطلق عليهم تيار الواقعية الجديدة أو جيل الثمانينيات، من هذا الجيل المخرج عاطف الطيب، و رأفت الميهي، وخيري بشارة ومحمد خان وغيرهم، ومن أبرز نجوم تلك الفترة “عادل إمام، أحمد زكي، محمود عبدالعزيز، نور الشريف، نادية الجندي، نبيلة عبيد، يسرا، ليلى علوي، إلهام شاهين، وسهير رمزي”.
أما عن سينما الألوان التى اقتحمت السينما المصرية فى مطلع الأربعينيات، فيمكن اعتبار محاولات تلوين أغنية “يوم الاثنين” من فيلم لست ملاكاً للمطرب محمد عبد الوهاب، بداية ظهورها فى مصر عام 1946، أعقبها فيلم “بابا عريس” عام 1950 وهو أول فيلم مصرى كامل بالألوان الطبيعية بطولة نعيمة عاكف وشكرى سرحان، وفؤاد شفيق. جاءت محاولة أخرى لإنتاج الأفلام الملونة فى مصر التى قام بها محمد فوزى الذى حاول تلوين فيلمين له، وهما “الحب فى خطر”، و”نهاية قصة” وهى المحاولة التى باءت بالفشل بعد أن احترقت الشرائط قبل وصولها من باريس، وبقيت النسخة الأبيض والأسود لدى التليفزيون المصرى وهو ما كبد فوزى مبالغ طائلة، كانت من أحد أسباب إفلاسه، أما الانطلاقة الحقيقية لسينما الألوان فى مصر فحاز عليها عن جدارة فيلم( دليلة )الذى تم إنتاجه عام 1956 بنظام سكوب، وكان من بطولة عبد الحليم حافظ وشادية.
برع العديد من النجوم في السينما المصرية بأداء الدور الثاني، وعلى الرغم من أن الدور الأول في الفيلم ظل حكرا على بعض الممثلين، إلا أن أبطال الدور الثاني كان لهم رونق خاص عند الجمهور وكان لهم الجانب الأكبر في نجاح الفيلم مثل إستيفان روستي، عبد المنعم إبراهيم، ماري منيب، عبد السلام النابلسي ورياض القصبجى وغيرهم.
وهناك أيضا مجموعة كبيرة من الكومبارسات الذين ظهروا فى الأفلام والمسلسلات والمسرحيات مثل حسن أتله ومارى باى باى وأدمون تويما وعبد الغنى النجدى وغيرهم.
أما عن أفيشات أو بوسترات الأفلام، فقد كانت أهم جزء في تقديم الفيلم للجمهور، ويتوقف عليه جذب وتشويق المشاهد، للإقبال على الفيلم المعروض،وكانت الشوارع تتحول الى قاعة للفنون التشكيلية تمتلئ بهذه البوسترات.
فمع نهاية تصوير كل فيلم، يستعين المنتج بمصممي الجرافيك من أجل إخراج بوستر جذاب ومبهر قدر الإمكان، ويجب أن يتضمن البوستر رسالة الفيلم، وكل شيء يلفت انتباه المشاهد، حتى يروج للفيلم.
و الأفيش ليس مهما فقط من قبل منتج الفيلم، ولكن أيضا للممثلين، فالبعض منهم لا يمضي على عقد الفيلم إلى بعد الاتفاق على موضع اسمه على البوستر، ونجد أن زمن الفن الجميل شهد أفيشات أفلام، اتسمت بالصورة الجميلة والألوان المبهجة، رغم عدم وجود وسائل التكنولوجيا الحديثة مثل الآن.
وكان الإنتاج السينمائي في مصر يقتصر بشكل شبه تام على القطاع الخاص وبعض مؤسسات الإنتاج العالمية ” كيورو ميد بروداكشن “، إلا أن وزارة الثقافة أعلنت في 2007، عن بدء تمويلها لبعض الأفلام ذات ” القيمة المتميزة”.
وفي 2006، و2007 كان الإنتاج السنوي للسينما 40 فيلمًا، بينما نمى الإنتاج في 2008 ليصل إلى 53 فيلمًا.
استمرت السينما المصرية بإنتاج الأفلام الكوميدية والسياسية مع نفس النجوم، ومن هنا اعتبرت السينما المصرية من اغزر دول الشرق الأوسط في مجال الإنتاج السينمائي على مدى 100 عام قدمت فيه السينما المصرية أكثر من 4000 فيلم
وفى التسعينيات حدث تحول تكنولوجي مع دخول الديجيتال صناعة السينما، التي حققت للفن السابع انتشارًا لا نظير له وغيرت من مضمون الفيلم السينمائي وأسلوب صناعته، فأحدثت انبهارًا غير مسبوق، وبتقنية عالية ظهرت في أفلام عالمية منها «ماتريكس، هاري بوتر، لورد أوف ذي رينجز» وغيرها من مئات الأفلام.
لكن واليوم تعود السينما العالمية إلى أفلام الأبيض والأسود.. بل السينما الصامتة.. والأكثر من هذا أن تلك الأفلام هي التي تحصد جوائز المهرجانات الدولية ، ففيلم (ذى أرتيست) الصامت والمصور بالأبيض والأسود حصل على 7 جوائز من مهرجان بافتا البريطاني فبراير.
أيضا لجأ المخرج محمد فاضل في إخراج فيلم “ناصر 56” إلى اختيار تقنية التصوير بالأبيض والأسود لضرورة فنية، حيث استعان في الفيلم بمادة تسجيلية لجمال عبدالناصر وكانت بالطبع غير ملونة، فبالتالي فكرة أن يكون الفيلم جزءًا ملونًا والآخر أبيض وأسود، كانت ستطيح بالفيلم فنيًا وجماهيريًا، إلى جانب أن العالم عرف عبد الناصر من خلال “الأبيض والأسود” ولا يمكن تلوينه، وقداستعان بالمادة التسجيلية من مكتبات بلندن، ولم تكن في مصر، وأنه عند التصوير كان لا بد أن يراعي جيدًا الملابس والديكورات، لأنها ستظهر على الشاشة بالأبيض والأسود.
ومن الملاحظ أن هناك طفرة في أنواع سينمائية كانت نادرة وشحيحة سابقاً، مثل أفلام الرعب والأفلام البوليسية. ظهور نماذج أفلام سينمائية من بلدان عربية شقيقة لا يُشكّل حركة سينمائية قوية أو اتجاها سينمائيا. هذه مجرد أفلام. حالات فردية. تم الترحيب ببعضها دولياً لأسباب سياسية. ولا يزال ينقص السينما المصرية زيادة الأهتمام بالأفلام الوثائقية.
أؤمن بأن الأزمة إنتاجية. بلد في حجم مصر لا يزال في امكانه تقديم عشرات المواهب السينمائية، وإن تكن معايير العالم المعاصر والمنافسة الإنتاجية في المنطقة قد اختلفت. لكن المواهب لا تظهر من العدم، والوضع الإنتاجي الحالي يكاد يستحيل أن يدعم ويقدّم مواهب إخراجية حقيقية إلا في ما ندر. لا يوجد حلّ في امكانه تحقيق نتائج سريعة سوى تأسيس صندوق دعم وطني لتمويل المشاريع الجادة والمغايرة جزئياً.
مصر هي البلد العربي الوحيد الذي يملك صناعة سينمائية متكاملة من كلّ الجوانب، وهي مؤهلة لتسترجع دورها اذا حصلت على التمويل الكافي والحرية الكافية للتعبير عن الواقع المصري والعربي، مع توفير الدولة أموالا كافية للسينمائيين ليعملوا بكامل حريتهم، اسوة بتجربة المركز السينمائي المغربي، رغم الملاحظات على هذه التجربة”.
سبب آخر مهم لأزمة السينما المصرية، في اعتقادي، هو أن الركود الإقتصادي كان أدّى إلى ركود النشاط التجاري المعتاد. معظم ما يتم إنتاجه من أفلام “تجارية” لا يحقق أرباحاً لا في مصر (التي كان يُمكن أن تكتفي بمحصولها) ولا في خارجها. هذا مهم، لأن السينما البديلة التي برزت في السبعينات وامتدت صوب الثمانينات استفادت من رواج الفيلم التجاري المصري. كما في كلّ صناعة، العائدات المرتفعة تتيح – عرضاً أو قصداً – وجود رأسمال معين يريد أن يواكب مسيرة فنية مختلفة. عندما يقل منسوب الإيراد الشامل للسينما التجارية فإن تلك البديلة تتأثر على نحو واضح.
يصاحب ذلك كلّه أن أهم مهرجانين دعما السينما في السنوات القليلة الماضية (دبي وأبو ظبي) خرجا من اللعبة، ما تسبب في انحسار فرص الإعتماد على تمويل خارجي. دور السينما المصرية الحالي ليس رائداً، لكن السينما العربية بأسرها لا تملك بديلاً ولا يوجد البلد الذي يوفّر مثل هذه القيادة.
على امتداد تاريخ السينما المصرية، المحاولات التي شقت طريقها إلى “العالمية” كما يُقال (وليست العالمية مقياسها المهرجانات السينمائية فحسب)، محاولات محض فردية، وليست نتاجاً لتيار مستقلّ، أو تخطيط، أو نظام إنتاجي، أو طفرة. حتى تلك المحاولات، وبعضها على قدر من الفنية، لا تصمد عند المقارنة الفنية الخاضعة لمعيار القيمة. ولم تنجح حتى داخلياً في تشكيل أي تيار أو موجة أو توجه.
كانت هناك ريادة، نظراً إلى كمّ الإنتاج. مع انحسار الكمّ – لاعتبارات عدة – خبت الريادة الناجمة في الأساس عن الانتشار. أما مقارنة السينما المصرية بغيرها، فيصعب القول بأن ثمة طفرة أو حتى انتعاشة في السينما العربية. كلها، على امتداد الوطن العربي، محض جهود فردية،فهناك غياب للرؤى الفنية والفلسفية.
وبدأت منذ 2010 ظهور الأفلام الشعبية واشتهر بها خاصة الممثل محمد رمضان، والتي ناقشت حالة الفقر والطبقة السفلية من المجتمع ومشاكلهم ويواجه قضايا كالمخدرات والدعارة، وكان لهذا النوع من الأفلام العديد الآثار السلبية على الشباب المصري نتيجة لاحتوائها الألفاظ البذيئة ومشاهد الراقصات والمشاهد المخلة للآداب، كما هوجمت بشدة من عدة أطراف في المجتمع ومن النقاد، والتي دافع عنها منتجوها حيث وصفوها بأنها تقدم الواقع الذي يعيشه المواطن، لكن الحقيقة أن على الفن أن يحاكي الواقع، ليطرح الحلول بطريقة غير مباشرة، وليس نقلها كما هي بمساوئها.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
× تواصل معنا عبر واتساب