مقالات وتقارير

القبح للشاعرمحمد الشريف

القبح للشاعرمحمد الشريف


من كتاب ..آمال وآلام

للشاعر /محمد الشريف


أنا القبح الذي افتري عليه الشعراء ؟! ،
فبالغوا في وصفي بكل الصور التي تصيب المرؤ بالكآبة .
فتارة ينسجونني في صور مفزعة كصور جثث الأبرياء في المذابح ، أو بالكوابيس التي يصورها الأديب في رواية من روايات الرعب.


أنا القبح المفتري عليه ،وقد يصورونني بكابوس يزور فتي أو فتاة مرهفة الحس والجنان ، فيضج مضجعها ويهدم أحلامها ، وتارة أخري يصورونني بأم الغول في حكايات جدتي القديمة أو الجنية أو الشيطان الرجيم الذي تفنن بفنون الغواية والإضلال ، ووصفوا لوني بلون الدماء البريئة ، أو بلون ححم البراكين أو بلون نيران جهنم .


لقد كان الكون موحشا ، مظلما ،حتي تجلي الله عليه ببعض أنواره فجمله .
كيف يشعر الإنسان بالجمال إن لم أكن موجودا كان الجمال انطباعا وظلالا من تجليات الله علي الكون .
فسبحان الذي تجلي علي الكون فجمله من بهائه وألبسه بعض أستاره ، فسبحان ربي العظيم المبدع .
أتنقم علي يا اخي أن أقول سبحان ربي ،

ألست مخلوقا من خلق الله ووظيفتي هي إبراز مفاتن الجمال ، فلولا قبح الكفر البواح ما عرف أحدٌ رونق وجمال الإيمان ، ولولا مرارة الظلم وقبح الاعتداء وجمال الحور العين ما خطبها الشهيد الذي يدافع عن دينه أو عرضه ووطنه ، وهذه الشمس الجميلة وقت الغروب ألا توحي بالكآبة لأنها تذكرنا بالموت أو بلون دماء الشهداء، والليل البهيم ألا يدل علي جمال النهار،والموت لولاه ما اتعظ إنسان ولا خاف من حساب وعقاب، أنا القبح الجميل لولاي ما جرت الأنهار بماء الحب والدلال.
ولا عرف الغث من السمين ، ولا حلاوة الطاعة من مرارة العصيان، ولا الزوجة الصبوح من الزوجة القروح .
،ولا بان كرم الكريم من لؤم اللئيم الشحيح ، وما ارتق للحرية من العبودية راق .
ولولا الكلمة الخبيثة وقبحها ما ظهر جمال الصدق ونور البيان .
ولولا الأخلاق القبيحة ما عرف فضل مكارم الأخلاق ولا ازدان ، وظلام الليل يزين وضوح النهار ، وخبث الخبيثة يبدي بهاء العفيفة الشريفة ،ولولا سواد الليل وظلمته ما بدي للقمر ازدهاء ، وما حاجة الناس لنور القمر إذا كان في الليل البهاء.


أنا نفحة علوية مثل الجمال ، ولا يعييني أوصاف والقاب الأدباء ، فأنا نصف الجمال.
فوظيفتي هي إظهار الجمال ، لأن الأشياء لا تظهر وتتضح إلا بالأضداد ، فهل سيعرف الإنسان الجمال إن لم أكن موجودا ؟!، والحمد لله علي عطائه ، فأنا لست حزينا ، أنا مثل جهنم ،أطيع ربي بقبحي كما تطيع ربها بتعذيب الذين استحقوا للعذاب ، فكل ميسر لما خلق له ، وأقبح مني هو ناكر فضل الله ونعمه عليه.
وإذا كانوا قد فُتنوا بالجمال فالفضل في ذلك يعود لي ،فهل يفرح بالطعام ويشتهيه إلا الجائع ؟! وهل يُعرف الظل ورونقه إلا بعد الحرور؟ ، وهل يعرف الدفء إلا من الزمهرير؟ !
ولم أر قط الأضداد تتلاقي إلي في بيت العقاد العبقري :
ربما التقي الضدان في جسد
في ملتقي السحب أمواه ونيران
فأيقنت أن الأضداد يمكن أن تلتقي بدليل اجتماعهما في العين ، أما النقائض فلا تلتقي كالوجد والعدم ، والأرواح المتناقضة لا تلتقي أبدا ،والروح ترنو لمثلها والأجساد ترنو للتراب.
ولولا سحر الكلمة ما بان للجمال تبيان ، سأظل الدهر مؤديا لوظيفتي التي أعتز بها ، وهذا هو ذكري وتسبيحي لربي ولرب الجمال.


أيها القبح عذرا فقد وجب الاعتذار ،إن الجميع شانك بما فيهم الأخيار ، وألبسوك تاجا فيه ذل وفيه عار ، ولا يوحي بالوقار .


الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
× تواصل معنا عبر واتساب